عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
77
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
--> - بالشؤون الذاتية ؛ لأن الذات البحت منزّهة عن كل شأن واعتبار ، فلا تتجلّى لأحد ، ومنه يعلم أن الكامل مهما بلغ لم يصل إلى رتبة واجب الوجود تعالى ؛ لتقيده وإطلاق الحق سبحانه ، والحمد للّه على ذلك . فلسبق التجلّي بالحقيقة المحمدية على كل حقيقة ، وكون المتجلّي فيها عين المتجلّى له من غير تميز حقيقي ولا حكم ، كان صلى اللّه عليه وسلم بهذا الاعتبار هو الفيض الأقدس الذاتي الذي تعينت به الأعيان الثابتة الإمكانية ، أعني حقائق الأشياء ، وهي الصور العلمية التي ما شمت رائحة الوجود ، بل هي مخزونة في علمه تعالى ، ولو خرجت إلى الظاهر لزم حدوثها وهي قديمة ، بل الظاهر آثارها ، وذلك أن الحق تعالى بمقتضى أسمائه اقتضى أن يكون لها صور علمية ، ففاضت عن ذاته من وراء التجلّي المحمدي الحامل لكل تجلّ من غير حكم عليه تعالى بغلبة اسم ، وتلك الصور هي حقائق الأشياء وماهياتها كما قدّمنا ، والتعين هو التميز ، وتعين هذه الأعيان كان بذواتها وإلا لتسلسل ، واستعداداتها : أي كان ذلك من الفيض الأقدس وبه ، فإن هذه الأكوان المختلفة ذاتا وصفة اختلافا لا يحصى كان لها ذلك من استعداداتها ، فمن استعدّ لشئ أعطيه ، فالاختلاف بالذات والصفة مترتب على الاستعداد ، فمن استعدّ لحقيقة إنسانية مسلمة أعطى ذلك ، وعلى هذا القياس كما سيذكر . فالحاصل أن الماهيات واستعداداتها كانت بالفيض الأقدس الذاتي : أي بالتجلّي الذاتي الذي لم يغلب فيه حكم اسم اسما لجمليته ، ولم يكن بطلب اسم خاص من الأسماء ، وذلك التجلّي كان بالحقيقة المحمدية ، فكل حقيقة كونية من حقيقته الكلية كما أن كل حقيقة إلهية كذلك ، وتقدّم هذا مرارا . وهذا الفيض المذكور عبّر عنه الحكماء بالجعل البسيط الذي جعل الماهيات مجعولة : أي كانت عن فاعل لأسماء ليست واجبة الوجود ، فلا بدّ لها من فاعل ، وإنما كان هذا الجعل بسيطا لأنه لم يعتبر فيه سوى صدور هذه الأعيان عنه ، لا أنه جعلها موجودة في الخارج كما هو شأن الجعل المركب حيث كان بعد هذا الجعل ، فإن جعل الماهية سابق على جعلها موجودة ، فمن هذا علم أن الخلاف في كون الماهيات مجعولة أو غير مجعولة راجع إلى اللفظ ، فهي مجعولة بالجعل البسيط غير مجعولة بالجعل المركب ، وهذه الأعيان مع استعداداتها صدرت عن الواجب تعالى بمحض الجود لأسماء صور أسمائه تعالى ، فأسماؤه اقتضتها ، وأسماؤه عين ذاته ، فكان ما ذكر من مقتضى الذات في الجملة ، فلم يكن للواجب تعالى اختيار فيها ، وإذا كان الأمر كما ذكر فلا يتصور سؤال حقيقة من الحقائق أن تكون على خلاف ما هي عليه ؛ لعدم دخل الاختيار كما ذكرنا ، مثلا لو قال الكافر : لم أوجدتني كافرا ، ولم توجدني مؤمنا ؟ فيقول تعالى : استعدادك سأل ذلك ، فيقول : أنت جعلت هذا الاستعداد لي ، فيقول -